Guide to Freemasonry

“الماسونية هي جهاز خاص ومحدّد في الفلسفة، تُلَّقنُ وتُعرض من خلال وشاح الرموز”.

(نص طقسي قديم)

“إن الماسونية الرمزية ليست بوريثة الماسونية العملية. إنما هي امتداد لاستعمال أدوات البناء تحت شكل رمزي، نظري وفلسفي”.

1. الماسونية العملية

وُلدتِ الماسونية العملية مع ولادة تاريخ الإنسان، لحظة إدراكه لعملية التشييد والبناء. فيعود ماضيها الى ذاكرة الماضي البعيد الى كل الشعوب والحضارات القديمة المغمورة في الزمن، الى كل مَنْ عرف استعمال أداة أولية قد ابتكرها مع تطوّر فكره ووعيه.
إنما فعل التطوّر هذا، هو عنصر أساسي في الطبيعة البشرية منذ وجود الإنسان الأول، لأنّ ذاك الإنسان لم يتوقفْ يوما عن التقدّم والترقي في سلم الاكتشاف والفكر. ولمْ يرضَ أبداً بالإكتفاء لما قدْ وصل إليه، فنجده يطوق دوماً الى التحليق في فضاء مهندس الكون الأعظم ليقول له: ” إني أفكر، إذاً إني موجود”.
من الأهرامات الى هياكل روما، من معابد الصين الى الهند، من اليونان القديمة حتى الوصول الى القرون الوسطى، كانت الماسونية العملية، في أخوياتها البنائية المتنوعة، تنحت فكر الإنسان على كلّ حجر مُسْتلقٍ على قارعة الدروب، كان ليبقى خاماً مالمْ تُلمسْهُ يد البنّاء كما لمس الله حَفْنَة تراب فكان الإنسان.

الإنسان، الأداة والحجر معًا يؤلفـون ثلاثية متلاحمـة في وحدة غير قابلـة للإنفصـال.

2. الماسونية النظرية

 وتطوّرت الماسونية العملية في فنِّ البناء حتى وصلت الى أَوْجِ نموّها في القرون الوسطى مع ظهور الفن الغوطي في تشييد الكاتدرائيات.

كان علم الهندسة محور التطوّر يومها، وكوَّنتْ أخويات فنّ البناء مجموعات مغلقة سرية تمتلك أسرار فنّ البناء هذا، فتميّزت هذه المجموعات بحريتها في التنقل في أرجاء أوروبا من قبل السلطات، واستطاعت بهذا تشييد ما بقي لنا اليوم من جمال ورونق وفنٍّ في استعمال الحجر.

إنّ هذا الامتياز : “حرية التنقل” ، قد حثَّ البنّائين الى وضع دستور ونظام يجعلهم يتمتعون بحقوق خاصة بهم ويملي عليهم واجبات بالوقت عينه.

وكان وليم شاو  أول من وضع هذه المراسيم والأنظمة عام9951 ، فتأسس عندئذ ما يُسمى “بالمحافل” في شكلها المنظّم والهيكلي والإداري. ومن أهمية هذا الحدث، انه قد حصل في بلاد الإيكوس حيث كان العصر الذهبي آنذاك.

إنّ هذا التقدم والازدهار جعلا بعض الأشخاص من أصحاب الفكر والعلم، غير العمليين، يقتربون من المحافل العملية ويهتمون بما يملكون من معرفة في فن الهندسة فدخلوا عالمهم الخفيَّ المغمور بأسرار البناء.

هكذا تمَّ اول قبول لغير عملي في محفل إدمبورغ العمليّ عام9951 ، عندئذ، بدأ التفاعل المزدوج بين الفكر والعمل وتبعه فيما بعد العديد من مراسم القبول، مماكوَّن ما يسمى بالماسونية النظرية التي كانت ولادة المرحلة الانتقالية من الماسونية العملية الى الماسونية الرمزية، ذلك في بداية اقرن الثامن عشر.        

3. الماسونية الرمزية

دخل العديد من المفكرين وأصحاب العلم ومن الطبقة الأرستقراطية الى المحافل العملية وتعايشوا سوية ذلك منذ نهاية القرن السادس عشر وعلى مدار منتصف القرن السابع عشر، الى حين قرّر هؤلاء غير العمليين تأسيس محافل خاصة بهم تَضمّ النظريين فقط.

وهكذا، تمَّ فصل المجموعتيْن عن بعضهما . وفي خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، بدأنا نجد المحافل العملية تعمل في موازاة للمحافل النظرية وكلّ فئة تُتابع نشاطها الخاص بها، العملي من جهة والنظري من جهة أخرى. ولم تزلْ الأخويات العملية موجودة حتى يومنا، في فرنسا.

وانتشرت المحافل النظرية في منطقة شمال إنكلترا، أي بلاد الإيكوس، وصولاً الى جنوب البلاد الى لندن وضواحيها، مروراً بمدينة يورك.

عملت المحافل النظرية آنذاك على تبادل حرية الفكر في مجتمع كانت تغمره صراعات الطوائف المسيحية (الكاثوليكية والبروتستانتية والانكليكانية) في معتقداتها المختلفة، لكنَّ العقائدية كانت عاملها المشترك.

أما الَمنْفَذ الوحيد لرجالات الفكر، فكانت اللقاءات في الحانات، بعيداً عن الأنظار للتبادل اللاعقائدي والفكر الليبرالي.

4. الرمزية الماسونية

حافظت المحافل النظرية على أداة العمل التقليدية، ألاَ وهي أدوات البناء، وحوّلت مفهومها العملي الى نظري: فكانت الرمزية في الماسونية الحديثة.

إجتهد هؤلاء المفكرون ووضعوا بنية جديدة للأداة العملية. كان أساسها الأخلاق الإجتماعية، التأمل الروحي والفلسفي. كما استندوا أيضاً الى دساتير القدماء والمخطوطات التي كانت دعائم العمليين، واستخلصوا منها النواة التي ستتوافق مع البنية الحديثة.

هكذا بدأ التنظيم الرمزي الإداري في محافلهم وبدأْنا نرى أيضا ظهور رموز البناء في كتاباتهم وفي تزيين قاعات اجتماعاتهم (الحانات) وذلك قبل أن تصبح لاحقا هياكل محددة بعد المنتصف الاول من القرن الثامن عشر.

وتميّزت الرمزية للماسونية الحديثة بالمناهج الفكرية نتيجة إنتماء أصحاب المذاهب الفكرية اليها، كالعلم والروحانيات، الباطنية والصليب الوردي، الألْخيمية وغيرها. فاغتنت المحافل بالمعرفة وبخلاصة الفكر، كما وساهمت هذه الاخيرة في عصر النهضة الذي وجد أرضاً خصبة للتألّق والازدهار.

لقد ورثْنا هذه الرمزية الماسونية بغناها المتنوع حتى وصلت الى أعلى مستوى في التحليل والدراسة والخلاصة في نهاية القرن العشرين. فتماشت هذه الرمزية مع تطور الإنسان في المجتمع والعلم وكانت حاضرة في كل لحظة تقدم نحو الكمال البشري. 

تساعد دراسة الرمزيات، في الماسونية الحديثة، الماسوني في حياته، على كسب وفهم ما وراء الرسم والصورة. تدعه يدرك مفاهيم لاتراها العين إنما يُدْرِكها العقل من خلال الإجتهادات في تفسيرها. وذلك إستناداً الى دراسة النصوص الطقسية في المحافل وما اكتسبه الماسوني في حياته خارج المحفل. فما من رمزية إلا من خلال الطقس الماسوني، “كل شيء في الماسونية هو رمز“، وكل رمز هو فكرة، فبذلك يولد الفكر الماسوني.

5. الطقوس الماسونية

لكلِّ شعب طقسُهُ ولكلِّ حضارة طقسها وكل دين أو معتقد له طقسه. إنّ الطقوس في الماسونية هي مختصر التصرف والسلوك في المحافل وفي مختلف الدرجات الماسونية. ومع خضوعها للتنقيح البطيء عبر الزمن، إتخذت عمقاً في الرمزية مما استوجب فترة طويلة للإعتياد عليها ودراسة جديدة لتحليلها.

يتألف كل طقس من نص إذ يساعد في تحديد هوية هذا الطقس وتتميز الطقوس الماسونية بعوامل مشتركة وهي الرموز، ومراسم القبول والترقي، وتتحدد من خلال النصوص الطقسية، هدفها دراسة الأخلاق ومحاولة الإجابة على ما يلي:

 مَنْ نحن؟ مِنْ أين اتينا؟ الى أين ذاهبون؟

توالت عدة طقوس على الماسونية الحديثة، منها زال مع الوقت ومنها لمْ يزلْ يُمارس، على سبيل الذكر: الطقس الإيكوسي القديم المقبول، الطقس الفرنسي، الطقس الايكوسي المصحّح، الطقس اليوركي، الطقس الانكليزي.

 تتشارك جميع هذه الطقوس بوحدة دراجاتها الثلاث الأولى الرمزية: المبتدئ الشغال والأستاذ. إنما تتميز الطقوس هذه بسلَّمها في الدرجات العليا، أي من الدرجة الرابعة وما فوق. فبحسب عدد درجات السلم الطقسي تحدد هوية وبنية الطقس.

وكانت ممارسة الماسون الأوائل، في بداية الثامن عشر وقبل ظهور مختلف هذه الطقوس، محصورة في “الطقس الماسوني”، لا غير.

ولتنظيم شؤونهم، فقد لجأوا إلى وضع دستور يحدد تصرف الماسون في المحفل ودعي “بواجبات الماسوني” والمعروف بدستور أندرسون، عام 1723

بعد تأسس أول بنية إدارية تحت إسم المحفل الأكبر الانكليزي عام 1717 والإنتقال من ممارسة محفلية مستقلة الى ممارسة محفلية منتظمة ضمن إدارة محفل أكبر، فقد أجتهد فريق عمل، برئاسة جايمس أندرسون لوضع دستور، يضمن من خلاله انطلاقة جديدة لماسونية جديرة بالتطور والتنظيم

هكذا، وبعد ظهور هذا الدستور الشهير، بدأت المحافل المستقلة تنضمُّ الى السلطة الجديدة، وهي المحفل الأكبر، وكان عددها بالمئات. 

6. دستور أندرسون

تميّز الدستور الماسوني بدعوة شاملة الى جميع الماسون الرمزيين لممارسة ماسونية علمانية بعيدة عن الصراعات الطائفية المحلية. وهو بمثابة مرجع رئيسي ووحيد لكل الدساتير الماسونية اللاحقة.

يتألف من ثلاثة اقسام: التاريخي، الانضباطي و اناشيد موسيقية ماسونية.

وتنص المادة الأولى منه على ما يلي في: “الله والدين“:

“يتوجب على الماسوني أن يلتزم بإطاعة القوانين الأخلاقية، وإذا أدرك جيداً “مفهوم الفن”، لن يكون ملحداً غبياً ولا طائشاً بلا دين. لكنه في الازمنة القديمة، كان يتوجب على الماسون أن يكونوا في كل بلد من دين هذا البلد أو الأمّة، أياً كان هذا الدين. فاليوم اعتُبر إنه من الملائم إلزامَهم فقط بهذا الدين الذي يتوافق عليه جميع الناس، تاركين لكل فرد آراءه الشخصية الخاصة، يعني أن يكونوا رجالاً خيّرين صادقين أو أناس شرف واستقامة، مهما كانت طوائفهم وايمانهم الديني الذي يميزهم.

وبالتالي، تصبح الماسونية “محور الوحدة” ووسيلة لعقد صداقة مخلصة بين الناس الذين كانوا في الممكن أن يبقَوْا على بعد ابدي.”

7. المحفل

أن عبارة “محفل” تعني المكان الذي يجتمع فيه الماسون أو مجموعة الماسون. والمحفل هو الركيزة الاساسية لوجود الماسوني. فلا يمكن للفرد الإنتماء الى الماسونية إلا من خلال جهاز محدد ألا وهو المحفل.

عندما يفقد الماسوني عضويته (باستقالة او بطرده) يفقد بالوقت عينه هويته الإدارية وانتماءه الماسوني.

يتكوّن المحفل من أستاذ محترم وهو الذي يترأس إدارته، وتعاونه مجموعة ضباط، إذ يتراوح عددهم بحسب ممارستهم للطقس. على المحفل أن يحافظ على دستور اندرسون، دستور محفله الأكبر الذي ينتمي اليه وعلى نظامه الداخلي.

ترتكز حياة المحفل على التنظيم الإداري والطقسي الرمزي معا.